جلال الدين السيوطي
38
الاكليل في استنباط التنزيل
180 - قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ هذا منسوخ كما تبين في كتاب الناسخ والمنسوخ ، وقيل محكم خاص بمن لا يرث من الوالدين كالكفار والأقربين المحجوبين ، واختلف أصحاب هذا القول هل الوصية لهم واجبة لقوله : كُتِبَ و حَقًّا ، أو مندوبة لقوله بِالْمَعْرُوفِ ، واستدل محمد بن الحسن بالآية على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين لعطفه عليه . 181 - قوله : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الآية ، قال الكيا : يدل على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية ، فإن إثم التبديل لا يلحقه وعلى أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة ، وأن ترك الوصيّ والوارث قضاءه ، قال ابن الفرس : ومن أحكام الآية أن الموصى إليه بشيء خاص لا يكون وصيا في غيره خلافا لأبي حنيفة ، والحجة عليه : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ وهذا من أعظم التبديل . 182 - قوله تعالى : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ « 1 » الآية ، قال الكيا وغيره : أفادت الآية أن على الوصيّ والحاكم والوارث وكل من وقف على جور في الوصية من جهة العمد أو الخطأ ردها إلى العدل ، وأن قوله : بَعْدَ ما سَمِعَهُ خاص بالوصية العادلة دون الجائرة وفيها الدلالة على جواز الاجتهاد والعمل بغالب الظن لأن الخوف من الميل يكون في غالب ظن الخائف ، وفيها رخصة في الدخول بينهم على وجه الصلاح مع ما فيه من زيادة أو نقصان عن الحق بعد ما يكون ذلك بتراضيهم قال ابن الفرس ويؤخذ من الآية أيضا أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها خلافا لزاعمه وإنما يبطل منها ما زاد عليه لأنه تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها الوجه الإصلاح . 183 - قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فيه فرض الصوم . 184 - قوله تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ استدل به من أباح الفطر بمجرد المرض وائن كان يسيرا أو بمجرد السفر وإن كان قصيرا أو غير طاعة أو غير مباح واستدل به داود على أنه لا يصح صوم المريض والمسافر لأنه تعالى جعل الواجب عليه أياما أخر فكان صائما قبل الوقت ، واستدل به الكرخي على أن الواجب أيام أخر ورمضان عليهما غير واجب فإن قدمه صح وكان معجلا كتعجيل الزكاة واستدل بقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ على جواز القضاء متتابعا ومتفرقا . روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إن شاء تابع وإن شاء فرق ، لأن اللّه تعالى يقول :
--> ( 1 ) الشاهد في الآية تمام سياقها ، وهو قوله تعالى بعد هذا : جَنَفاً أَوْ إِثْماً . والجنف : الميل والجور في الوصية .